الغربال
لا تكن حلوا فتؤكل ولا تكن مرا فتعاف
.
.

كان يا ما كان...

كان ياما كان...
كان أبو عمار رمزا للقضية
بل كاد أن يكون القضية
 
*
 
 يبدو أنه كتب على الرئيس الفلسطيني المرحوم ياسر عرفات خلال حياته النضالية أن يتحمل مسؤولية هي أكبر من قدرة إنسان على تحملها، مسؤولية تأزم قضية وانهيار مرحلة لم يكن هو الفاعل الوحيد فيها ، بل كان فاعلا ضمن عدد كبير من الفاعلين، ولكن في الوقت الذي وجد فيه الأخرون أوطانا يهربون إليها وشعارات جديدة يخفون بها عوراتهم أو يمارسون بها هواياتهم الكلامية والنضالية ، لم يجد أبو عمار رحمه الله إلا فلسطين يهرب إليهاوشعبه يشاطره الهموم ويقاسمه المعاناة.
 
عمره من عمر القضية ، ارتبط اسمه بانتصاراتها  وانتكاساتها
تألق عندما تألقت القضية ، وصدم وانكمش عندما تراجعت القضية
هجر الدنيا وملذاتها من أجل فلسطين  حتى خلناه ناسكا مترهبا
فلم يعرف عنه حب مال أو ترف أو صاحب عقارات أو طالب ملذات
كان رحمه الله متقشفا في أكله ، بسيطا في لباسه ومتواضعا في كنه
أحب فلسطين   ..حتى تزوجها ...
 

ولكن

عندما قيل له إن الزواج الذي  هو نصف الدين الإقتران بإمرأة
إقترن بسها ابنة زوجته الأولى فلسطين
وعندما فعلها ، قيل : فكاهة .. سنها أبو عمار فتزوج سها
 
مارس الكفاح المسلح حتى خاله البعض لا يعرف السياسة
ومارس السياسة حتى خاله البعض لايؤمن بالكفاح المسلح
 
مالأ اليسار حتى اتهموه بالتطرف
مالأ اليمين حتى اتهموه باليمينية والرجعية
فلم يعجب لا اليمين ولا اليسار ، وقد كان كلاهما
فيما لم يعد اليمين يمينا ولم يعد اليسار يسارا
 
وحتى عندما رفع غصن الزيتون في يد والبندقية في يد
لم يعجب دعاة الثورية الذين أرادوها بندقية فقط
ولم يعجب الرجعيين الذين أرادوه غصن زيتون فقط
 
ولأن شعبه مجزأ ومشتت بين عدة بلدان عربية هي خليط من النظم والسياسات
فأرادوه أن يكون على هوى كل نظام وسياسة
 
كانت فلسطين هي هدفه وفلسطين عذابه وفلسطين أمله
كان يرفض الاعتراف بالهزيمة وكان ينهض من وسط الدمار
كالعنقاء كان ، لأنه يعرف أن هزيمته هزيمة شعب
وأن يأسه هو تيئيس شعب
وشعب مثل الشعب الفلسطيني لا يجب أن ينهزم أو ييأس
وليس من شيمته الهزيمة أو اليأس
 
تساقط رفاقه من حوله الواحد تلو الآخر وبقي هو في الميدان
حتى قال البعض ، إنهم أبقوه ليوقع...
ولم يفهموا أنهم إن أبقوه ، فإنما  لما هو أشد من الموت
ليوقع على ما هو دون تحرير كامل فلسطين
 
في أبو عمار رحمه الله احتار الأقربون والأبعدون ، الأصدقاء والأعداء
احتاروا فيه وقت الحرب واحتاروا فيه وقت السلم
 
عندما فجر الثورة وحمل البندقية قالوا إرهابيا ومغامرا
وعندما حمل غصن الزيتون قالوا، إنه تخلى عن القضية
حاول أن يصادق الجميع ، فعاداه  كثيرون
كانوا يقبلونه في الجهر ويطعنونه في السر
صبر على الجميع وتحمل إهانات الجميع
 
من أجل فلسطين عانق الصغير والكبير حتى سموه ممازحة : البويس
ومن أجل فلسطين أدى التحية العسكرية للجندي والجنرال
ولأن كل زعيم هو مفتاح الدخول إلى الشعب ، فقد حاول مهادنة الجميع
كان رحمه الله يعرف نوايا الحكام العرب ولكنه كان في حاجة إلى أموالهم وإلى شعبهم
 
قيل : إنه زعيم متسلط، فقال : بيننا وبينكم الشعب، فلم يرض الشعب عنه بديلا
قيل : إنه داهية وخبيث ، فقال : إن العالم اليوم غابة
وإن لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب وإن لم تكن ثعلبا اصطادتك الكلاب
 
قيل : إنه ركع بعد شموخوتنازل بعد تصلب
وعندما أطاحت عاصفة الصحراء بورقة التوت، وانكشف...
 المنبطحون والمتاجرون بالقضية والحاقدون والموتورون
اعتبر ركوعه شموخا وتنازله حكمة
 
كان رحمه الله الإرهابي رقم واحد فأصبح حامل جائزة السلام الأولى
كانت  أجهزة المخابرات الصهيونية  والأمريكية تطارده في كل مكان
فأصبحت هي حامية حماه ومؤمنة استمرارية سلطته
ليس حبا فيه بطبيعة الحال ، ولكن لأنهم أعتقدوا أنهم طوعوه
والوجه الذي تعرفه أحسن من الوجه الذي لاتعرفه
 
وعاد إلى الوطن ، وهو يعلم أنه لم يعد عودة المنتصر
ولكنه عاد عندما سدت أمامه كل أبواب النضال من أرض العروبة والإسلام
عاد عندما أصبح دم الفلسطيني مباحا ومطلوبا بعد حرب الخليج
التي هي حرب التآمر الصهيوني الغربي والجهل العربي
وكأنها حرب ما وجدت وخطط لها إلا لتصفية القضية الفلسطينية ولإذلال أمة يعرب
 
كان ياما كان ... كان ياسر عرفات رمز القضية الفلسطينية
بل كاد أن يكون القضية
 

رحمه الله

(9) تعليقات


<<الصفحة الرئيسية


.
.